«تورّم» داعش بين التباكي والاسترزاق

يتسابق الغرب وأدواته في المنطقة ابتداءً من المشيخات وليس انتهاءً بالدول الوظيفية وأدوارها في ذرف دموع التباكي على ما ترتكبه داعش، ولا ينسى- كما ولاته من حكام وأصحاب سمو وجلالة- أن يقرنها بكثير من إبداء الدهشة والذهول وعدم «التصديق» لما مارسته من فصول الفظائع تحت عناوين تحاول تصويرها وكأنها قادمة من عصر بائد تجاوزته البشرية منذ عهود طويلة.

الكل- بغربه وأعرابه- يتزاحم للتبرؤ مما تفعله، والكل ينفض يديه, لكن أحداً لا يستذكر الأبواب التي فتحها بنفسه أمام تفشي تلك التنظيمات الإرهابية كي تصل إلى ما وصلت إليه، وبعضهم إن لم يكن جميعهم كان أول من رعاها واحتضنها وموّلها ودرّبها وصولاً إلى الحال الذي يندب فيها مخاوفه وهواجسه مما تفعله.‏

فالمسألة تتجاوز الفصول التي تمارسها داعش والرسائل الممهورة ببصمات المشيخات وسادتها في الغرب على ما فيها من توحش، وترتبط مباشرة بأبواب النفاق وأبواقه المفتوحة على مصراعيها التي تزدهر على قدم وساق، ابتداءً من الدهشة والاستغراب, وليس انتهاءً بالهواجس والمخاوف, مروراً بالتحذيرات وناقوس الخطر الذي تتصدّر قرعه الأدوات المنفذة على خطا مُشغّليها.‏

فالقصة التي بدأت بعض التسريبات بالإفصاح عنها تذاكياً أو تسويقاً وتشويقاً، تشير بوضوح إلى الأصابع الغربية المتورّمة في التنشئة الفعلية لتلك التنظيمات بتعدد مسمياتها, كما تثبت بالدليل القاطع أذرع المشيخات والكثير من الأدوات الإقليمية في المنطقة, وهو أمر لا يريد أحد الدخول به في ظل حديث يجتر صباح مساء عن الحاجة إلى إطفاء الحريق, ومن ثم التفرّغ للبحث بأسباب اشتعال النار.‏

لنسلّم بتلك المقولة, ونأخذ الأشياء بظواهرها دون الغوص عميقاً في المنافذ الجانبية التي تتحرك في كل الاتجاهات، فإطفاء الحرائق يقتضي إغلاق منافذ التهوية وموارد تزويدها باحتياجات الاشتعال, وتطويق مناطق انتشارها والعمل على مكافحتها حيث تشتعل ووقف عوامل تأجيجها.‏

أقصى ما يفكر به الأوروبي اليوم هو تحصين بواباته, كي لا يصل الإرهابيون إلى مدنه- وإن لم تصل إلى مستوى التعامل مع إيبولا- ومن تسرّب منهم يعمل على محاصرته، فيما المشيخات التي يعلو صوت نفاقها لا تريد أن تتعلم، وكل ما تفعله اجترار كاذب ومنافق، وهي تدرك بالتجربة المديدة مع التنظيمات الإرهابية أنها ورقة رهانها على البقاء في أدوارها الوظيفية، كما يعرف الغرب ذلك ومسبقاً.‏

وأكثر ما يمكن للأميركي أن يقدمه محاولة يائسة للعودة من النافذة التي خرج من بابها يجرّ أذيال الهزيمة والخيبة، بعد أن شعر أن احتياطاته من الأدوات والأذرع لم تعد كافيةً للردع، وهو ما يلمسه بكثير من الإحباط، حيث بعبع العدوان الإسرائيلي يتمخض عن مجرّد فأر تجارب فاشل ومشوّه.‏

أمام كل هذا لا يتوقف النحيب الغربي، ولا التكاذب الأعرابي، ولا الدجل التركي على منصة الاعتراف المتأخر دون أن يقترن بأي مؤشر يمكن الاستدلال عليه أو الاتكاء لمواجهة ما يجري من تطرّف وما تقوم به التنظيمات الإرهابية، حيث الأولويات ولائحة المهمات المستعجلة منشغلة في الاحتفاظ بورقة التوت التي يُعاد لصقها كلما سقطت أو التمسك بما تبقى منها من نتف متناثرة.‏

الفارق بين نحيب الأمس على الديمقراطية والحرية ومهمات الربيع العربي المؤرهب، وبين التباكي على النتائج والتداعيات مما تفعله التنظيمات الإرهابية وما تُقدم عليه من فظائع ومجازر وفصول رعب غير مسبوقة في التاريخ، أن الغرب يفتح أبواق نفاقه على أشدها وتحاول أن تجاريه مرتزقته القادمة من خلف أسوار التاريخ في لهاث لا يتوقف ولا ينتهي عند حدود أو سقوف.‏

والمختلف أن البلّ وصل إلى الذقون الأوروبية بعد أن رأت بأم العين أن موس داعش والتنظيمات الإرهابية قد اقترب من اللحى الخليجية والتركية ولم يستثنِ الأردنية ولا غيرها بطبيعة الحال، وأن ما شهده العراق ومن بعده لبنان ليس أكثر من فصول بدائية في قصف تمهيدي له ما بعده كما كان له ما قبله.‏

المفارقة في المعادلة أن المشيخات لا تزال تراهن على التنظيمات الإرهابية، وتعوّل عليها كحصان طروادة لتعويض ما فشلت به في فصول ارتكاباتها السابقة ومهماتها الوظيفية على مدى قرابة قرن من الزمن، ومعها بعض الأوروبيين كما هم الأميركيون يتوهمون بأن الاحتفاظ بخيوط الارتباط معها له استخداماته المستقبلية المنتظرة.‏

إن فصول داعش قد تكون أبواب استرزاق إضافية للغرب وأطماعه على حساب الشعوب والأمم والدول، لكنها تبقي النيران مشتعلة ولو كان سرج الإرهاب الداعشي طريقاً ووسيلة، خصوصاً حين تقترن بكل هذا التكالب الغربي على تعميم لغة الموت في المنطقة بأصابع مشيخاتها، وهي لغة تنتقل بالعدوى.. والعدوى لا توفر أحداً…!!

بقلم: علي قاسم

مشاركة الخبر