أبعد من الغوطة..!!

ترسم الغوطة الشرقية منحنيات المشهد الإقليمي.. وتحدد بتفاصيلها وعناوينها مقاسات وتباينات المشهد الدولي، وتصبح بالضرورة حجر الزاوية في مكافحة الإرهاب، فيما تحولت في «البروباغندا» الغربية الى منعطف سياسي تتقاسم من خلاله الأطراف الداعمة للإرهاب أدوارها تبعاً للتطورات الميدانية، أو حسب ما تفرضه الحالة من مهمات وظيفية ذات طابع متحرك، حتى بات الأمر سباقاً متدحرجاً بين الأدوات والأذرع على تقديم الخدمات المجانية اللأميركي، مع نزوع تدريجي باتجاهين: الأول استعادة الكثير من النزعات الاستعمارية المنبوذة، والثاني إتاحة فرصة إضافية أمام الأدوار التقليدية لكثير من الأدوات الأميركية.‏

الفرق أن الغوطة باتت ظاهرة سياسية محاطة بكثير من المبالغات وحالات الشحن السياسي ومحاولة تعميمها لتكون سابقة في الطرح، باعتبارها استدعت العديد من جلسات مجلس الأمن، واقتضت أن تكون منصة إعلامية تبادل فيها الغرب الاستعماري مشاهد التحريض، وصعّد في مواقفه إلى الدرجة التي بات من الصعب عليه النزول من دون أن يتكئ على الآخرين الذين لا يبدي الكثير منهم اي حماسة لتقديم سلم النزول.‏

فجملة المؤشرات تشي بأن الغوطة لم تعد مجرد مخبأ للإرهابيين يحتجزون فيه الكثير من المدنيين كرهائن بشرية، بقدر ما باتت تعبّر عن صراع قوى بين محورين: الأول محور الإرهاب من مرتزقة ومشغلين ورعاة وممولين لا يخفي نفسه، ويبدي استماتة في حماية الإرهابيين تحت ذرائع تتبدل وتتلون حسب الحاجة ووفق تطورات الموقف، ومحور مقاوم للإرهاب وهو الآخر لم يعد يتردد في إظهار الرغبة والعزيمة في تحويل معركة الغوطة الشرقية إلى معركة محسومة النتائج وإن أخذت طابع المصيرية، بحيث يبدو من الطبيعي أن بعدها لن يشبه ما قبلها، وأن الكثير من المعطيات الحاسمة ستتكون على هوامشها وتداعياتها سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً وعسكرياً.‏

بهذا المعنى تمثل الغوطة حيزاً يشغل ما هو أبعد من مساحة البلدات والمدن والمزارع، وحتى الموقع الجغرافي على أهميته ومتاخمته للعاصمة دمشق، والتي باتت وفق ما اصطلح على تسميتها بالخاصرة الرخوة، خصوصاً أن الموازين والاعتبارات والمعادلات لا تتشكل بأبعادها العسكرية والسياسية فحسب، بل تفتح سياقاً موازياً للاعتبارات المتداخلة المشتقة أساساً من جوهر المواجهة بين المحورين، والترتيبات التي تقتضي التفكير بما بعد المعركة، خصوصاً أن الموازين السياسية ستعكس حالة الصراع الجذري بين المحورين.‏

والواضح أن المعارك والجبهات المفتوحة في الشمال والجنوب وجزء من الشرق ستكون تبعاً لحصيلة معركة الغوطة، وما حملته من مفاجآت كانت تمثل أوراق قوة إضافية لمصلحتها النهائية، والتي تؤشر بشكل حاسم ان الجيش العربي السوري وحلفاءه باتوا أقرب الى الحسم من أي وقت مضى، وهذا يقدم فائضاً من الأوراق تصب جميعها في كفة محور مقاومة الإرهاب بالضرورة الحتمية.. ميدانياً وسياسياً.‏

فالملاحظة التي لا تغيب عن البال هذا الإسفاف في مكونات خطاب الغرب الاستعماري، وهذه التخمة من الأكاذيب والفبركات التي تصل في بعضها الى حد الفجور السياسي، وهو ما يعكس واقعاً مزرياً يحكم ممارسات دوله، ويتحكم بمراكز القرار لدى مؤسساته، والأخطر أنه يعكس تأزماً أكثر حضوراً بمختلف دوائره وحلقاته المتصلة والمنفصلة، والتي تتوازى مع مؤشرات التسليم بالهزيمة التي باتت أقرب قاب قوسين أو أدنى، وهو ما قد ينسحب على المعارك القادمة وإن اختلفت أو تباينت درجة استماتة منظومة العدوان في حماية إرهابييها.‏

فالغوطة كمعركة قد لا تحتمل كل هذا التهويل والضخ الإعلامي الغربي، لكن ثمّة ما هو أبعد من الغوطة في الجغرافيا والسياسة.. وحتى التاريخ يحضر فيها، والهزيمة المنتظرة للإرهاب محكومة بتلك الأبعاد، كما هي تفرض إيقاعها على منظومة دعمه ورعاته ومموليه وإن تغيرت فيها المقاييس والمعايير، فالمواجهة مفتوحة ليس في الجبهات السياسية والعسكرية فحسب، بل على جبهات المستقبل واتجاهات المشروع الاستعماري الغربي، والأهم على مصير الإرهاب والاستثمار فيه ، باعتباره سيتحول بعدها إلى تجارة خاسرة لها تداعياتها على المتاجرين والمفلسين والقتلة والتكفيريين ومنظوماتهم الفكرية والسياسية والإعلامية.‏

تابعوا آخر الأخبار السياسية والميدانيـة عبر تطبيق تيلغرام على الهواتف الذكية عبر الرابط :

Sama TV

 
مشاركة الخبر