العالم في أسبوع: مؤشرات

علّ أهم الأحداث التي شهدها هذا الأسبوع هي ردود الأفعال على صفقة القرن وعمليات الجيش العربي السوري في محاربة الإرهاب في حلب وإدلب والتداعيات الناجمة عن ذلك، وأيضاً خطاب ترامب في حالة الاتحاد وتبرئة مجلس الشيوخ له من قرار مجلس النواب بإدانته وعزله. أما ردود الأفعال على صفقة القرن فإنها تُظهر للمرة الألف أن المهم هو العمل وليس الكلام والتصريحات، والعمل يأتي دائماً من تضحيات الشعب الفلسطيني وبذله الدماء في سبيل إثبات وجوده وكرامته على أرضه وأرض أجداده، ولو أن هذه الدماء الزكية الطاهرة اقترنت مع خطط ورؤى إستراتيجية ومواقف موحدة وإخلاص منقطع النظير للقضية والوطن ربما لأثمرت هذه الدماء أضعاف ما أثمرته في حالة التشتت والفرقة والضعف الذي يعاني منه الصف الفلسطيني والعرب أيضاً في مواقفهم من القضية البوصلة داخل بلدانهم. وأتى تصميم الجيش العربي السوري على استكمال دحره للإرهاب في محافظتي إدلب وحلب وسط محاولات العثماني الجديد أن يدفع بجيشه لينقذ أدواته الإرهابية التي تبناها منذ بداية هذه الحرب على سورية وليحقق أطماعاً في احتلال الأرض، على حين تتجه تصريحاته ومؤتمراته الصحفية لمراكمة أكاذيب لا علاقة لها بالواقع ولا بالاتفاقات ولا باحترام سيادة الدول أو احترام كلمته هو، وتوقيع وفوده على وحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية وسيادتها واستقلالها. ولكن مؤتمراته الصحفية السبعة المحمومة خلال أيام قليلة لم يكن هدفها تغيير مسار المعركة بل كان هدفها الداخل التركي الذي بدأ يكشف أن أردوغان يضحي بجنوده لأسباب استعمارية بحتة لا علاقة للشعب التركي بها، كما بدأت أوروبا والعالم بأسره يتحسس للمرة الأولى خطورة أردوغان وكذبه المكشوف، وهذا أول الغيث لأنهم لاشك سوف يكتشفون لاحقاً أن أردوغان هو الرجل الأخطر في هذا القرن وذلك لحمايته الإرهاب في سورية وليبيا وأوروبا والصين ووسط آسيا، وهذه حقيقة بدأت تطلّ برأسها إلا أن البعض مازال غير مصدّق، ولاشك أن الوقائع ستثبت ذلك للجميع في مستقبل غير بعيد، كما أن تزامن عدوانه على الأرض السورية مع العدوان الإسرائيلي يكشف حقيقة التنسيق بينه وبين العدو وكذب كلّ تصريحاته التي يدّعي بها تأييد القضية الفلسطينية. والمضحك المبكي في ارتدادات هذا الموضوع في الولايات المتحدة وأوروبا أن الخارجية الأميركية أعلنت وقوفها إلى جانب تركيا وأنها «تدعم حقها المشروع في الرد على اعتداء النظام السوري على القوات التركية في محافظة إدلب» وأُضيفُ إليها محافظة إدلب «السورية». أين وصل فقدان العقل والمنطق أن تدعم الخارجية الأميركية دولة معتدية على دولة أخرى وتدعم حقها في الدفاع عن نفسها على الأرض السورية وفي محافظة سورية عزيزة؟

ولكن هذا ليس مستغرباً؛ إذ لم يعد هناك اعتراف بشرعية دولية أو قانون دولي أو حقوق أصلية للشعوب؛ بل الواقع يشي بأن شريعة الغاب اليوم هي أساسية في محور تفكير هؤلاء وأنهم لم يعودوا قادرين أبدأ على التمييز بين من يدعم الإرهاب ومن يكافحه إلا إذا كانت مصالحهم قد اقتضت الوقوف وبكلّ صراحة مع الإرهاب وأسياده ومموليه وداعميه. وينبري الاتحاد الأوروبي ليعلن احتجاجه ليس على الجرائم الإرهابية التي ارتكبتها المنظمات الإرهابية في سورية بل ليعلن حرصه على المدنيين في إدلب وعلى توفير المياه والغذاء والخدمات الطبية لهم. وهم طبعاً لا يقصدون المدنيين وإنما يقصدون «الإرهابيين» الذين يندحرون أمام قوات الجيش العربي السوري والقوات الرديفة والحليفة. والسؤال المشروع للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والغرب عموماً: «هل انتابكم القلق على شعب سوري بأكمله يعاني من نقص الوقود والدواء والحياة الطبيعية نتيجة إجراءاتكم القسرية الأحادية الجانب؟ أم إن مشاعركم الإنسانية لا تنتفض إلا لحماية الإرهاب والإرهابيين والقوى الاستعمارية المحتلة سواء أكانت تركية في سورية أم إسرائيلية في فلسطين؟ ولم يعترض أي أحد في الغرب على العدوان الإسرائيلي الموصوف على الأرض السورية للتغطية على قدوم قوى الاحتلال التركي محتمياً بطائرة مدنية كاد يودي بحياة مئات الناس بها، أم إن هؤلاء المدنيين ليسوا في السلّم نفسه الذي يقيس به الغرب مصلحة المدنيين وحياتهم؟ أما العثماني الجديد فيعتبر الجنود السوريين أهدافاً لأنهم هاجموا جنوده من دون أن يذكر أن جنوده هم جنود احتلال ونقاطه هي نقاط احتلال، على حين الجنود السوريون يعملون ويضحّون من أجل تحرير أرضهم وبلدهم من دنس الإرهاب والاحتلال وسوف يستمرون بذلك إلى أن يتم تحرير كامل التراب السوري من كل المعتدين والمحتلين.

اللامنطق هذا والذي طغى على ردود الأفعال الغربية في كلّ ما يتعلق بمنطقتنا وحقوقنا وقضايانا هو جزء لا يتجزأ من الفوضى الأخلاقية والقانونية التي تمرّ بها الولايات المتحدة التي وصلت مستوى غير مسبوق في تاريخها؛ أن يقرّر رئيس الولايات المتحدة ألا يصافح رئيسة مجلس النواب لأنهما مختلفان سياسياً فهذا مؤشّر جديد ومهم في السياسة الأميركية ومستقبلها، وأن تقرر رئيسة مجلس النواب أن تمزّق خطاب الرئيس أمام الكاميرات وتعتبره جاهزاً لإلقائه في سلّة المهملات، معتبرة كلّ ما قيل وكل ما تم التصريح به لا يرقى إلى مكان أكثر من سلّة المهملات؛ فقد يكون الردّ مشروعاً أو غير مشروع سياسياً وقد يكون البادئ أظلم، إلا أن المشهد في كل الأحوال يؤشر إلى مشكلة حقيقية بنيوية في النظام الأميركي قد يبدأ العالم برؤية آثارها على الداخل الأميركي في المستقبل القريب أو المتوسط، وقد يكون هذا المشهد أول مؤشر حقيقي بأن الولايات المتحدة الأميركية لن تبقى متحدة إلى الأبد، وأن القانون الدولي والأعراف السياسية الحقيقية تجد من يحتضنها، ومن لديه ميزان واحد يزن به ومعيار واحد يطبقه مع احترام للذات وللآخر وبعيداً عن النفاق السياسي الذي وصل أوجه في العام 2020 وخاصة في الأسبوع الأخير وكأن الأحداث تنبئ عن أمواج تتلاطم في العمق، ولن يطول الوقت قبل أن تصل هذه الأمواج إلى السطح ونشهد التغييرات الكبرى والجذرية، والتي لا شك أننا نعيش ونقرأ ونسمع ونشاهد مؤشّرات حقيقية لها، لن تضلّ الطريق أبداً. قد يخدع المنافقون والطامعون بعض الناس لبعض الوقت، ولكنهم لا يستطيعون أن يخدعوا جميع الناس كلّ الوقت، وهذا هو حكم التاريخ المثبت أبداً.

بنت الأرض

تابعوا آخر الأخبار السياسية والميدانيـة عبر تطبيق تيلغرام على الهواتف الذكية عبر الرابط :

Sama TV

 

 

مشاركة الخبر