في الصراع بين “الشمال والجنوب”-صحيفة البعث

يمكن وضع ما يجري في منطقتنا، مروراً باليونان، وصولاً إلى روسيا في سياق الصراع بين “الشمال والجنوب”، حيث يحاول الشمال الغني ممثلاً بأمريكا وبعض دول أوروبا الغربية افتعال الأزمات ليبقى هو المسيطر على الجنوب المتمثل ببقية دول العالم وفق معادلة شمال عامر وجنوب خرب، شمال مهيمن حاكم وجنوب خاضع محكوم.

وهنا ننوّه بأن طبيعة التقسيم لا تلتزم حدود الجغرافيا وإنما تفرضه الضرورة وسلوكية الدول المستهدفة، بعبارة أخرى ليس المطلوب أن تكون كل أوروبا غنية، ولا كل آسيا فقيرة وإنما ما يحدد ذلك مجموعة عوامل يأتي في مقدمتها مدى ولاءات الدول للغرب “المتحضّر” وحجم المخاطر التي يمكن أن تخرق المعادلة بين شمال مستغِل وجنوب مستغَل.

وفي هذا الإطار نسوق بعض الأمثلة، حيث ممنوع على طهران أن تملك تقنية نووية ليس خوفاً من أن تصنّع سلاحاً نووياً أو لأنها دولة آسيوية، وإنما لقلق الشمال من أن تصبح إيران مزاحماً للدول التي تتحكم بهذه التقنية في الأسواق العالمية، وفي سبيل ذلك تعرّضت الجمهورية الإسلامية على مدار أكثر من ثلاثة عقود لشتى أنواع العقوبات وعمل الإعلام الغربي على تصوير إيران على أنها غول يحاول السيطرة على العالم، كما أُغرقت اليونان بديون الاتحاد الأوروبي إبان الأزمة المالية “المفتعلة” عام 2008 وخضع شعب هذا البلد إلى سياسات تقشفية مجحفة جعلته ينتفض مؤخراً في وجه الدائنين ويسعى إلى الخروج من جلباب الاتحاد الأوروبي.

أما المنطقة العربية، فينظر لها الشمال على أنها خزان الوقود العالمي وسوق لتصريف المنتجات الغربية، بدءاً بالسلاح والصناعات الثقيلة وانتهاء بالمشروبات الغازية، ولذلك ممنوع على الدول العربية المناهضة للمشروع الغربي أن تستقر، وعليه انتقلت تبعيتها منذ بداية القرن الماضي من استعمار إلى آخر تحت مسميات وأشكال مختلفة، وقبل أن يخرج منها جراء المقاومة الشعبية زرعوا “إسرائيل” في قلب الأمة لتكون قاعدة عسكرية متقدمة للغرب لتنفيذ مخططاته التدميرية،

وعندما انهزمت أمام المقاومة في فلسطين ولبنان سوّقوا لـ”ربيع الخراب” لزج شعوب المنطقة في صراعات داخلية لتدمير بناها الاقتصادية وإضعاف جيوشها، وذلك في سبيل الإبقاء على حال الهيمنة.

وعليه فإن الحرب التي تدور رحاها على أرض سورية لا تستهدف بلدنا فحسب، بل محور المقاومة من فلسطين إلى إيران وصولاً إلى الداعمين في روسيا والصين وتأتي في سياق صراع المحورين، وبالتالي عندما توصف الحرب بأنها معركة كسر عظم، فهذا كلام غاية في الدقة، ذلك أن المنتصر فيها سيحدد شكل العالم الجديد كمقدمة لإعادة التوازن للقرار الدولي وإنهاء عصر سيطرة الشمال.

المؤشرات تؤكد أن محور المظلومين في طريقه للانتصار على محور الظالمين، حيث نجحت إيران في فرض شروطها على الغرب فيما يتعلق بملفها النووي، وباتت اليونان الدولة التي ستحدد مستقبل الاتحاد الأوروبي، وقد شاهد العالم بأم العين كيف تهافت حكام فرنسا وبريطانيا وألمانيا للتفاوض مع الحكومة اليونانية قبل أن تكر “السبحة” وينهار الاتحاد الأوروبي، فيما تدلل إنجازات الجيشين السوري والعراقي في مواجهة مرتزقة الناتو عن قرب إنهاء الصراع لمصلحة المحور المدافع عن الحق والساعي لإنهاء عصر هيمنة الشمال لولوج عالم جديد متعدد الأقطاب أكثر ديمقراطية وعدالة اجتماعية.

عماد سالم

مشاركة الخبر