هل على الولايات المتحدة الخروج من حلف الناتو؟

 

                                                                                 الكاتب: دو باندو

                                                                          الصحيفة: ناشيونال إنترست

                                                                             ترجمة : سعاد خير الله

                                                                       التدقيق اللغوي : سالم الشيخ بكري

 

تنويه: الآراء الواردة في المقالات المترجمة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي                           موقع "سما" .

أيعتبر الناتو حلفا عسكريا أم هو مجرد ناد اجتماعي ما ؟ دعت منظمة حلف شمال الأطلسي مؤخرا جمهورية "الجبل الأسود" للانضمام إلى الحلف .. المقدرة العسكرية   لبودغوريتشا منعدمة تقريبا مع وجود ألفين و ثمانين جندي فقط .. و مع انفصالها السلمي عن صربيا فهي لا تعتبر مصدر تهديد لأي دولة أخرى و لا هدفا للتهديد من قبل الآخرين .. ناهيك عن أن الناتو بحد ذاته يتصرف وكأنه يجمع أصدقاء على موقع فيس بوك لا أكثر .. فالحلف لم يفعل شيئا عدا السماح للمسؤولين الأمريكيين بالصول و الجول حول العالم متباهين بشعبية و شهرة الولايات المتحدة .

كان الحلف على درجة كبيرة من الجدية خلال الحرب الباردة .. حين كانت واشنطن تدافع عن غرب أوروبا من "العدو السوفييتي النهم" لأن نهاية الحرب العالمية الثانية جلبت للغرب إحباطا معنويا كبيرا ، بعد أن صعد نجم القوة الشيوعية ، و كان زحف الجيش الأحمر إلى الغرب عبر ثغرة الفودا ، يجعل من الحرب احتمالا يلوح في الأفق .

انهار الاتحاد السوفييتي و أحلت معه اتفاقية حلف وارسو ، و دول من أوروبا الشرقية و الوسطى أصبحوا يميلون للغرب .. و بالتالي فقد حلف الناتو سبب وجوده في الدرجة الأولى .. فالحلف الذي شكل في المقام الأول لمجابهة الاتحاد السوفييتي لم يعد لديه من يدافع عنه أو يخاف على نفسه منه .

كان مسؤولو الحلفاء في ذلك الوقت قلقين على مستقبل الحلف .. و حسب اقتصاديي توقعات نظرية الخيار العام .. سيطرت الغريزة الجمعية على المشهد .. و أصبح مؤيدو الحلف يصممون أدوارا جديدة له ، كخلق منح دراسية و محاربة تجارة المخدرات ، و أتبعوا ما هو عسكري بالشأن السياسي البحت ، و أخرجوا الإصلاحات الاقتصادية و القانونية تماما من حيز اهتمامهم .. و أصبح الأعضاء السابقين لحلف وارسو مرحبا بهم في حلف الناتو الذي أصبح شعاره "فليأت الجميع" .

شكل اندلاع الأزمة الأوكرانية في السنة الماضية نهاية للأوقات السعيدة .. بدت دول البلقان ضعيفة فجأة .. و استذكرت الدول الحليفة المادة الخامسة من المعاهدة التي تلزمهم بمحاربة أي دولة ذات قدرة نووية للدفاع عن الدول الضعيفة .

و الأسوء من هذا أن دول البلقان  الثلاث – أعضاء سابقون في الاتحاد السوفييتي - لم يكونوا ذوي شأن بالنسبة لأمن أوروبا .. فلا أسهم عسكرية تضيفها الدول الثلاث للحلف : استونيا و لاتفيا و ليتوانيا ، فهي تملك على التوالي: 5750 ، 5310 ، 10950 جنديا مسلحا .. لذلك كان الأوروبيون و الأمريكيون يخاطرون بشن حرب نووية نتيجة معاهدة دولية خيرية .

دعوات ضم جورجيا و أوكرانيا للحلف تفاقم الأخطار .. و "عدوان" روسيا غير المبرر يظهر حجم تأثير موسكو على كلا البلدين ، و مع هذا فإنه لا يشكل خطرا يذكر على أمن أوروبا .. فالدولتان لم تكونا فقط عضوين في حلف الاتحاد السوفييتي بل كانتا جزءا من الإمبراطورية الروسية .. و انضمامهما إلى الناتو ستفسره موسكو بأنه تماما كأن تنضم كل من المكسيك و كندا إلى حلف وارسو فيما لو كان موجودا .. لن تكون واشنطن حينها مسرورة بهذا !

و رغبة الغرب المهلل لها بحماية حقوق الجورجيين و الأوكرانيين برسم خريطتهم الخاصة .. تفسره الحكومة الروسية بأنه  محاولات استفزازية للاحتواء .. ويرجع التفسير في جزء منه لسياسات الحلفاء الخرقاء كتوسع الحلف مثلا .

لا شيء في كييف أو تيليبسي يستحق المجازفة بخوض حرب نووية .. و المشكلة لا تكمن في توسع الحلف و حسب ، بل في تغييرات الدول الأعضاء التي يعجز الحلف عن تداركها ، فتركيا مثلا تثبت بسياساتها أنها ميدان آخر للصراع قد يشكل تهديدا على أمن أوروبا و الولايات المتحدة على حد سواء .

أمضت أنقرة سنوات في محاربة القوات الكردية الانفصالية و احتلت أكثر من ثلث دولة قبرص .. لتشكل دولة تركية على أساس عرقي .. و أنقرة وحدها من يعترف بها .

غدت تركيا دولة شمولية و إسلامية أكثر من أي وقت مضى ، بعد أن تخلى رجب طيب إردوغان عن طموحاته الليبرالية السابقة .. و يا للمفارقة ، فهو اليوم يحاول أن يشكل نموذجا للرئاسة .. و إن كان الناتو ينشر الديمقراطية الليبرالية ، فالأحرى بالاتحاد الأوروبي أن يتولى المهمة .

ولو اعتبرنا أن أنقرة غير مسؤولة عن إسقاط الطائرة الروسية و أن ادعاءاتها بشأن اختراق الطائرة الروسية للأجواء التركية على الرغم من التحذيرات التركية صحيحية .. فإن تحليق الطائرة فوق الأراضي التركية لمدة 17 ثانية ، لا يشكل تهديدا خطيرا .. و في الواقع ، لطالما اخترقت أنقرة أجواء اليونان الدولة الحليفة في الناتو .. ما يدفع للتساؤل هنا هو لو اختار اليونانيون في مرة من المرات إسقاط الطائرة التركية المخترقة للأجواء اليونانية ( بما أن الناتو يتحدث عن تعزيز الدفاعات التركية الجوية في مواجهة روسيا ، فماذا عن الوقوف مع اليونان في مواجهة  أنقرة؟ ) .

بالتأكيد أن تركيا تدرك تماما أنه لا دوافع عدائية لدى روسيا تجاهها .. و الأكثر من ذلك كله هو أن لا طرف من الأطراف بمن فيهم سورية .. يستهدف المسؤولين أو المعدات التركية .. مع احتمالية أن يكون ذلك كمحاولة من أنقرة حماية تجارة النفط السرية في مناطق سيطرة جبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة .. أو كمحاولة لعقاب روسيا لدعمها الرئيس بشار الأسد .. أول احتمالين يقفان عائقا في وجه المصالح الأمريكية .. لكن الاحتمال الثاني قد يتناسب و الهدف المعلن لواشنطن .. غير أنه قد يتعارض مع هدف أكثر جوهرية وهو تدمير "الدولة الإسلامية " و جميع هذه الاحتمالات لا تستحق جر الناتو إلى حرب مع روسيا .

"تيد غالن كاربنتر" الزميل في معهد "ماي كاتو" ، يقترح التخلص من هذا الحليف البغيض و إلقاءه خارج الحلف .

من المدهش كيف أن جميع دول البلقان هذه .. القديمة و الجديدة .. جورجيا و أوكرانيا و تركيا ، جميعها يقوّض أمن الولايات المتحدة .

و مع هذا فإن دولة الجبل الأسود تلعب الدور الأقل ضررا في المشهد .. مع أن انضمامها للحلف سيزيد من طين العداء بلة لا سيما و أن روسيا مذعورة أصلا .. فهي غير مهمة استراتيجيا و لا حتى عسكريا .. و في أسوأ احتمال .. فإن جميع تلك الدول الآنفة الذكر قد توقع الولايات المتحدة  في فخ حرب مع دولة ذي قدرة نووية بسبب أدنى خلاف أمني  .. إن هذه السياسة .. حقا حمقاء !!

 

 

الصحيفة:

ناشيونال إنترست : أسسها عام 1985 "إيرفينغ كريستول" الملقب بالأب الروحي للمحافظة الجديدة .. و مع أن غالبية الكتاب في الصحيفة يعدون من منظري المحافظين الجدد إلا أنها اتخذت رد فعل سلبيا من مبدأ نشر الديمقراطية بالاجتياح العسكري و عارضت سياسة بوش الابن في أكثر من محفل .

 

الكاتب:

"دو باندو" .. كاتب بارز في معهد "كاتو" و زميل خاص .. مساعد سابق للرئيس الأمريكي "رونالد ريغان" (1981-1989) .

مشاركة الخبر