الأولوية الحكومية رقم واحد-صحيفة البعث

مذهل ومؤسف أيضاً الذي أوردته وزارة الاقتصاد بخصوص الـ70 بالمئة كنسبة لمثيلات الإنتاج المحلي في قوام تدفقات المساعدات الإنسانية إلى سورية في عام 2014 و9 أشهر من العام 2015 التي قاربت من حيث القيمة المليار دولار!!..

وإن أشارت الأرقام إلى حوالي 700 مليون دولار كحصّة مفترضة للمنتج السوري، هذا يعني أننا أمام فوات فرصة بهذه القيمة، رغم أننا على يقين من أن الرقم النظري أكثر من ذلك، فلعله يشكل كامل القيمة، بما أن ليس في السلع الإغاثية منتجات تكنولوجية معقدة، لذا نجزم بأننا قادرون على إنتاجها كاملةً.

هي مقاربة تبدو نظرية في سياق الظرف العسير الذي يعتري مطارح الإنتاج لدينا بكل قطاعاتها، إلّا أن فيها مؤشراً بالغ الدلالة يجب أن يحفّز فينا تطلّعات وإجراءات غير تقليدية، تتماهى مع متطلبات استدراك استثنائية لوقائع دمار لم تمر على سورية في تاريخها، وحسبنا ألّا يكون اللجوء إلى خيارات “قضم” المقدرات القليلة الباقية وإعادة طرحها هو الحل، الذي لا نملك وصفه إلّا بـ “غلّة الجابي”، فثمة فرص ومسارات جديدة لا بد من الخوض فيها تشكل البعد التنموي التطبيقي لكل السياسات الرسمية التي تتزاحم بشكل شبه يومي على بوابات الإعلان عنها في أروقة السلطة التنفيذية، ولعلّها التحدّي الصعب الذي تقف أمامه حكومتنا، فبعد الأقوال على الجميع انتظار الأفعال، ولا سيما أن الوقت ليس حليفنا هنا على الإطلاق.

الآن ونحن نتحرّى عن ملامح التطبيق لكل السياسات الواعدة، ما أُعلن منها وما لم يُعلن، نجد خلطاً غير حميد في الفهم الحكومي لترميم بند الإيرادات، ما بين إيرادات الخزينة العامة، وإيرادات البلاد، وإن كان من الحكمة المواكبة الدقيقة بين المفهومين، يكون من الخطأ الانشغال الكلّي بالأول على حساب الثاني، أو الاستسلام لسهولة التعاطي مع موارد الخزينة جبايةً أو وفراً عبر ضغط الإنفاق أو حتى “عقلنتها”، واستصعاب تفاصيل رحلة التوجه نحو إرساء البنى الإنتاجية الجديدة والمجدّدة، فنكون دخلنا في دوّامة “تدوير دفتري” للأرقام وتثقيلات لا تغني ولا تسمن من جوع، وإن استوجب هذا ثناءات حسابية، فالرياضيات علم مجرّد لا يجوع وليس لديه أحاسيس!!..

أغلب الظن أن حكومتنا تدرك أننا بتنا اليوم أمام بطالة وسائل إنتاج وليست بطالة قوى عاملة، وهذه أخطر حيثية أنتجتها أزمتنا مع تقادم سنوات وطأتها الثقيلة، ومسألة معقدة تواجه أي حكومة، والتعقيد يكمن ليس في الحل بل في تطبيقه، تماماً كما الفرق ما بين إقرار السياسات وتطبيقاتها على الأرض.

الواقع، لا ندري إذا كان لدى حكومتنا الكثير من الخيارات في هذا البعد التطبيقي الحساس، إلّا أن ثمة أولويات تفرض نفسها هنا على طاولات التفاضل، انطلاقاً من اعتبارات ثلاثة، أولها الخصوصية السورية والميزات النسبية والمطلقة، وثانيها البنى الجاهزة بانتظار من يطرق أبوابها، والاعتبار الثالث يتصل بحاجات أمننا الغذائي، الذي يبدو اليوم مهدداً بكل معنى الكلمة، ونجد أن المسارات كلها تفضي إلى الأولوية المفترض أن تحظى بالرقم واحد وهي الزراعة، التي تعامل معها السابقون بعقلية التاجر، فانحدرت مساهمتها في الناتج الإجمالي من 32 بالمئة إلى 17 بالمئة في آخر إحصاءات ما قبل الأزمة.

نعتقد أن القروض التشغيلية يجب أن تكون مرفوضة إن لم تكن زراعية في نسبتها الغالبة، والتشاركية ستكون عرجاء إن لم تكن كذلك، وبالدرجة التالية تأتي الصناعة بشقها التحويلي، عندها ستكون مدخلات السلال الإغاثية سورية المنشأ بامتياز، بل لن نكون بحاجة إغاثة أساساً، لكن العبرة بالإرادة والجهد.

مشاركة الخبر