الشرعية واختبارات النفاذ المريرة-صحيفة البعث

ظهر في هذا العالم متمرد “متمرّن” جديد يحاول تحدي أروقة تمثيل الشرعية الدولية على الملأ، لتقف الأخيرة –إن لم تفعل شيئاً- وجاهياً أمام احتمالات مصير كئيب قد تتسوّل معه ضروب الامتثال والالتزام بقراراتها، إلّا من دولٍ ترفض حكوماتها النشاز بإملاءٍ من أدبيات وتقاليد سياسية وحضارية ذاتية.

إذ لم يعد “الإسرائيلي” وحيداً في مضمار مناهضة القرارات الأممية، بعد خروج السعودي السافر على القانون والعبث عن سابق ترصّد بالإجماع الدولي، والقرار 2254 بشأن الحل والحوار في سورية مثالٌ طازج!!.

فما جرى على مسرح جنيف بنسخته الثالثة، كان أنموذجاً محبطاً ومخيباً للعالم أجمع، إذ بدا سافراً تلاعب الرياض بهيئة الأمم المتحدة عبر “أرجحة” مبعوثها الوسيط أو المُيسر ستيفان دي ميستورا، ثم دفعه –بتغرير أميركي- لطلب ما يشبه الوقت المستقطع لالتقاط الأنفاس، وترحيل هواجسه إلى الخامس والعشرين من الشهر الجاري!.

والحقيقة أنه ورغم الحديث عن عقم أو فشل جنيف3، إلّا أن المناسبة أنتجت تحولّاً نوعياً جديراً بالرصد، على مستوى اصطفافات الصراع في المشهد العام للمسألة السورية، إذ غدا النزاع الآن ليس سعودياً “إرهابياً” – سورياً، بل سعودي- أممي، وباتت هيئة الأمم المتحدة خصماً في تنازع مباشر مع “براميل” آل سعود، عليها أن تثبت خلاله شرعيتها وكفاءتها في الدفاع عن نفسها قبل الخوض في تفاصيل الدفاع عن الشرعية الدولية وحقوق الشعوب، وتحفظ سلامتها قبل ادعاء السعي للحفاظ على أمن وسلام العالم، وسيكون أكثر حفظاً لماء وجهها أن ترجئ الأحاديث والتلويحات بفصول الرعب “السابع وملحقاته”، حتى تستعيد هيبتها المنتهكة بحماقات من لم يعترِ أدبياتهم يوماً مصطلح شرعية، وربما عليها تأديبهم بإجراء يندرج تحت ذات الفصل!.

وبانتظار أن تنتصر الشرعية الدولية لذاتها من “قبيلة ابن سعود” نمضي نحن في الانتصار على الإرهاب، وبتر الأذرع الوهابية التي تتسلل إلى سورية، قبل “هلوسات” الجبير وبعدها، فقد علّمتنا التجربة المديدة في الصراع مع العصابات والكيانات المارقة والمتعنتة، أن انتظار تطبيقات “الشرعية الدولية” من قبل الخارجين عليها، كمن ينتظر موعد الثلاثين من شباط لإبرام صفقات السلام والوئام مع عدو يتربص به؟!.

ولنا دروسنا المستفادة بإتقان على مر سنوات الصراع مع الكيان الصهيوني، المستهزئ الأزلي بقرارات الأمم المتحدة، والذي ضرب عرض الحائط بحزمة ثخينة منها، ولم يردعه إلا “توازنات الرعب” التي ترجمناها نحن بمصطلح التوازن الاستراتيجي، الشعار الذي عملنا على تطبيقه لعقودٍ خلت، ونجحنا عبره في التأسيس لجدار الصدّ المعنوي والواقعي لتطلعات عصابات لا تعرف شراهتها لدماء البشر حدوداً.

من خلاصات هذه الدروس لن نكون أمام جديدٍ مفاجئٍ ومربك، في التعاطي مع النسخة السعودية للإرهاب، فلا شرعية يمكن التفاهم مع هؤلاء بشأنها ولا حوار، الحل حصراً بالحديد والنار.

والآن حسبنا ألّا يكون على الشرعية الدولية أن تلهو بإجازة “قسرية” ريثما تظهر نتائج محاولة السعودي وظهيره التركي لتحسين شروط التفاوض في الشطر المنتظر من “جنيف3″، وإن كنا نحن في سورية نضمن الانتصار لأنفسنا فمن سينتصر لـ “شرعية العالم” المهزومة؟.

على الأرجح سيكون انتصارنا انتصاراً لـ “الهيئة الدولية” في محصلاته، لكن ذلك لا يحفظ مبررات وجودها أمام شعوب ما زالت ترجو حياة لها، ونهوضاً حقيقياً من حالة الموت السريري الراهنة؟.

مشاركة الخبر