الاستحقاق الدستوري والمسار السياسي-صحيفة البعث

أتى صدور المرسوم الرئاسي بتحديد موعد انتخابات أعضاء مجلس الشعب مصادفة خلال 24 ساعة مع الموافقة على الاتفاق الروسي الأمريكي لوقف العمليات القتالية، إذ لا علاقة بين المرسوم والموافقة، إلا في الإطار العام من حيث أن وقف الأعمال القتالية يتيح لأبناء الشعب الاحتكام إلى القانون والدستور والمصالحات المحلية، والمصالحة الوطنية الكبرى، وهذا ينبع من حرص القيادة السياسية على الوطن والمواطنين أفراداً ومؤسسات، حقوقاً وواجبات لترميم آثار العدوان على سورية معنوياً ومادياً.

موافقة الحكومة على الاتفاق أتت في سياق دعم المسار السياسي لحل الأزمة منذ اليوم الأول للعدوان على سورية. بما في ذلك الحوار الوطني، ومراسيم العفو المتتالية، وما اقترن بذلك من برنامج الإصلاح الوطني الديمقراطي الشامل الذي تلخّص في كلمة -مبادرة- السيد الرئيس المهمّة والتّاريخية في 6/1/2013.
يتساءل المرء عن مآل هذه الموافقة قياساً إلى المبادرات الوطنية للحكومة طوال سني الأزمة، ومايتصل بذلك من قدرة العصابات الإرهابية على الاستجابة لإلقاء السلاح والاحتكام إلى المسار السياسي الوطني.

فقد وافقنا على هذا الاتفاق ونحن في موقع قوة آخذ في النمو والتصاعد، موافقةً مقترنةً بالشك في نوايا الأطراف الأخرى.. فلماذا هذه الموافقة إذن؟
< كان الحرص على المواطنين والوطن، على الدماء والأنفس، على الشجر والحجر في كل بقعة من بقاع الوطن السبب الأول للموافقة.

< كما أن الموافقة أتت دعماً لفرصة تاريخية نادراً مااتفق فيها الروسي والأمريكي لحل أزمة من هذا القبيل، من حيث ثنائية دعم المسار السياسي من جهة، والإرهاب هو العدو الأول للجميع من جهة ثانية، مايعطي هذا «الجميع» الضوء الأخضر لاتخاذ موقف فاعل واضح ومحدد لحل الأزمة سياسياً انطلاقاً من القضاء على الإرهاب أولاً.. وفي هذا دلالة وطيدة الأركان على صواب موقف الحكومة السورية ومبدئيته واستراتيجيته.

< وكانت الموافقة استجابة لقرارات المجتمع الدولي التي تعطي الأولوية للمسار السياسي ومن أهمها القراران 2253 – الذي يطيب للكثيرين القفز فوقه – و2254 الذي بُني الاتفاق الروسي الأمريكي عليه حيث ورد فيه: «… ووفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 توقف جميع الأعمال القتالية بما في ذلك الضربات الجوية التي تنفذها القوات المسلحة في الجمهورية العربية السورية، والقوات المسلحة الروسية، والتحالف الذي تترأسه الولايات المتحدة… وتستمر هذه الأعمال ضد داعش والنصرة وغيرها من التنظيمات الإرهابية…».

< اقترنت الموافقة بـ«استمرار» مكافحة الإرهاب، وهذا ماأدى إلى النتيجة المتوقعة مسبقاً من عدم قدرة العصابات الإرهابية وداعميها على تحديد موقف واضح من الاتفاق ومن القرار الأممي الذي بُني عليه، فأعربت الرجعية العثمانية عن حذرها، وتريّثت الرجعية العربية، وعارضته عدد من العصابات الإرهابية.

< هذا الحذر والتريّث والمعارضة سيضع المجتمع الدولي والولايات المتحدة تحديداً في زاوية حرجة تنطلق من اليقين بأن تصنيف العصابات الإرهابية استغرق جهوداً كبيرة غير مجدية من المجتمع الدولي… وسيطول انتظار تصنيف الأردن. فهذا اليقين مرتبط بواقع مستمر تتداخل فيه الجبهات والعصابات والانشقاق والاندماج لأنها بالمحصلّة كلها من أذرع القاعدة والإخوان المسلمين، نتاج التحالف التركي القطري السعودي المدعوم صهيوأطلسياً.

وبالتالي ليس مسموحاً أبداً التساهل مع من يعمل على تعطيل الحياة العامة في البلاد، وخلال سني الأزمة تم التقيّد بتنفيذ الاستحقاقات الدستورية في وقتها المحدد، واستمرّ العمل ما أمكن على تأمين المساعدات الإنسانية والإغاثة والرواتب والأجور… وسائر الخدمات العامّة، وتوعية كافة أبناء الشعب بأبعاد العدوان على الوطن، وبقدرة الدولة على ردع هذا العدوان مهما اشتدت المؤامرة.

وعلى كل الوطنيين على امتداد ساحة الوطن، داخل البلاد وخارجها، العمل على تعزيز منعة البلاد من خلال التمسّك بالقانون العام، وبالشرعية، وبالدستور، وبإنجاح عمليتي الترشيح والانتخاب للدور التشريعي الثاني، والتأكّد من أن العصابات الإرهابية الخارجة على القانون والدستور والشرعيّة، والأخلاق والدين في الوقت نفسه ستبذل قصارى جهدها لتعطيل ذلك.

فلا تعطيل للحياة العامة، ولا تباطؤ في الاستحقاقات الدستورية. لنمضِ إذن بثقة وقوة، فلا رهان مجدياً على احتكام الطرف الآخر إلى الحق والوطن والضمير… ولا انتظار، فلا أحد يشتري سمكاً في البحر.

بقلم: عبد اللطيف عمران

مشاركة الخبر