ما بعد رجع الصدى-صحيفة الثورة

لم يعد الاصطفاف السياسي الذي أطلقته عملية استعادة تدمر مجرد افتراض قائم بذاته، بقدر ما بات حقيقة أملت على المرحبين- ولو تباينت مواقفهم أحياناً- أن يقفوا على ضفة مقابلة للصامتين الذين بلعوا ألسنتهم مع المشككين، أو الذين تنافروا بحثاً عن الزوايا المعتمة، التي تشكل مظلتهم الوحيدة حين تتساقط أوراقهم، وتظهر للعلن عورات مواقفهم وأدوارهم، وهم يتدافعون بحثاً عن ذريعة توقف الانهيار المتتالي لسياق كامل من المقولات والمصطلحات العائمة حول محاربة الإرهاب.‏

فأصوات الإعلام الأوروبي والأميركي المؤنبة لسلوك الدول الغربية المتوارية حيال ما حصل من إنجاز في تدمر، لم تكن كافية لصياغة مشهد يصلح للمقارنة في وقت يفتقد الخطاب الغربي توازنه مع انهيار المنظومة الفكرية الحاملة له، وانكشاف مساحة الاهتراء الأخلاقي والإنساني في رؤيتها المرتبكة، وهي تحاكي تفاصيل الحدث من بوابة التقليد المعتاد، الذي يجتر داخل فائض النفاق الغربي، وحتى الانتقادات اللاذعة، التي تم توجيهها نحو الساسة الغربيين بدت وكأنها نتاج الفعل ذاته، وأغلبها جاء تكراراً لمقاربات مستهلكة، ومن دون أي فعالية.‏

ورغم أن بعض الأصوات بدت أقرب إلى الغوص في بقايا تلك المنظومة، والغرف من نتف تتقاذفها أهواء الأطماع فيها، والفوقية الغربية المملة، ولغة النصائح المرفوضة شكلاً ومضموناً، فإن غياب الترحيب بما تم، والذي عجز الأميركيون عنه، وجاراهم فيه البريطانيون وماثلهم في ذلك الفرنسيون، كان لافتاً وواضحاً وصريحاً إلى حدّ الفصل بين الحقيقي والافتراضي، وهم يدركون أن ورقة الاتهامات الكاذبة والمزيفة الموجهة ضد سورية والجيش العربي السوري تحترق دفعة واحدة ومن دون أن تترك أثراً من رمادها الذي ذرّته ريح اشتعالها.‏

أتباع رجع الصدى يطلقون العنان لمحاولاتهم المحمومة كي يغيّبوا الصدى، بعد أن مارسوا سياسة ممالئة للتشويش على الفعل نفسه، وإخراجه من سياقه أو إعطائه أبعاداً غير تلك التي فرضت نفسها، بحكم الأمر الواقع، فيأتي ما ينتج من رجع الصدى مجرد لغو في الوقت بدل الضائع، بما فيه ما قاله كيري اضطرارياً، وربما كان في بعض أوجهه آخر ما في الجعبة الغربية من بقايا أوراقه القابلة للاستخدام في المرحلة الفاصلة، حيث تبدو المهمة القادمة إضافات شكلية على محتوى غائر في عجزه وفشله.‏

فعودة تدمر لم تعد موضعاً لمزايدات في السياسة، ولا هي نقطة قابلة للنقاش أو الجدل في الاتجاه الذي خطّته، وهي تؤشر إلى حدّ اليقين باستعادة كل شبر من سورية، وتضع فارقاً كبيراً بين الافتراض الملزم لبعض الأصوات، والواقع القائم، حيث الأميركي ومعه أدواته ومرتزقته، والبريطاني ومن يقف في طابوره لا يريدون أن يروا إلا ما يتوّهمون أنه قابل للمساومة، أو يمكن له أن يجرّد الإنجاز من دلالته والقناعات التي يرسخها، حيث تدمر التي تجسِّد بُعداً دولياً واهتماماً عالمياً، لا يمكن أن تحتمل لغة التشكيك، وقد أفرزت ما يكفي من قرائن على نجاعة استراتيجية الجيش السوري في مواجهة الإرهاب وتحوّله – بعرف من اعترف ومن يرفض حتى اللحظة الاعتراف – إلى القوة الوحيدة القادرة على إلحاق الهزيمة بداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية.‏

صدى الإنجاز السوري يعمُّ العالم، ودور الجيش العربي السوري ينتزع اعترافات لم تكن واردة، وإن كانت غير منتظرة، ولا هي مطلوبة، لأنها لا تغيّر في الحقيقة شيئاً، ولا تضيف إليها، وحدها أميركا لا تريد ولا تستطيع أن تكون باعتبارها بعيدة عن الصدى الفعلي لما يجري، وتتعكز في أفضل الحالات على ما يتوافر من نتف رجع الصدى المتهالك، الذي يحاول مرتزقتها التظلل به حتى إشعار آخر، وإن كانت التسمية في نهاية المطاف هي ذاتها، ولا يمكن لها أن تغيّر أو تعدّل من مشهد سياسي سوري يرسم ما تبقى من تفاصيل لمّا تنضج بعد.‏

فالاصطفاف السياسي هنا لم يعد مجرد عملية فرز تلقائية، بقدر ما كان إعادة تركيب لتوازنات سياسية في المشهد الدولي، وتحديد قواعد الاشتباك بين ضفتين متقابلتين متناقضتين في مواجهة مفتوحة، تتضح فيها هوية الصراع وأطرافه، والقوى التي تدعم الإرهاب، وتلك التي تواجهه وتحقق خطوات تقتضي بالضرورة ذلك الفرز بين الفعل وردّ الفعل.. بين الصدى ورجع الصدى، وتحدِّد بالمطلق ملامح مرحلة لا تحتمل الخلط، ولا تقبل التأويل، وربما لا تستطيع بعد اليوم أن تكون حمّالة أوجه، حتى لو أرادها البعض.. أو تمنّاها..!!‏

 

بقلم: علي قاسم

مشاركة الخبر