“صحوة” منقوصة-صحيفة البعث

بكلمات قليلة، ولكن دقيقة، قالها بارلاس دوغو وزير الدفاع التركي الأسبق: “الجيش العربي السوري يدافع عن كل العالم”، و”حلّ الأزمة في سورية يكمن في إغلاق الحدود لمنع تدفق الإرهابيين إلى الداخل السوري ودعم الحكومة السورية للقضاء على الإرهابيين الذين أتوا إلى سورية من مختلف أنحاء العالم بمساعدة دول عالمية وإقليمية والذهاب إلى انتخابات تشريعية”.

والحال فإن العالم كله يعلم أن ما سبق هو الحقيقة من جهة، والحلّ من جهة أخرى، لكنّ المصالح السياسية والاقتصادية الضيّقة عند فريق، والمكابرة في الاعتراف بالخطأ عند فريق آخر، والعقلية الثأرية المأزومة عند فريق ثالث، تمنعهم من الاعتراف بهذه الحقيقة، وبالتالي البدء في خطوات جدية لإنهاء الأزمة السورية، من جهة، ولمواجهة الإرهاب المستشري جراء رهانات مجنونة لبعض أطراف الحرب على سورية، من جهة أخرى. ولأن “الإرهاب كالعقرب سيلدغ صاحبه بالنهاية” كما قال الوزير، فإن “الصحوة” العالمية الخجولة التي نراها اليوم ليست سوى نتيجة من نتائج اللدغات التي ضربت عواصم الغرب، وبهذا أصبح من الطبيعي أن تصف مجلة ألمانية كـ “دير شبيغل” رجب طيب أردوغان بـ “رجل البوسفور المتوحّش” بسبب سماحه “للموالين لتنظيم داعش الإرهابي الذين توجهوا إلى اسطنبول من كل أرجاء العالم لكي يتسللوا بعد ذلك عبر الحدود إلى سورية”، ويصبح من الطبيعي أن تعترف مصادر غربية عدة بأن معظم السلاح الغربي المورّد للمنطقة، سواء كان لدول أو لـ “معارضات معتدلة” كما أشاعوا، قد وجد طريقه في النهاية إلى أيدي الإرهابيين.

والحق فإن الثالوث المدنّس للمصالح، والمكابرة والعقلية الثأرية المأزومة، هو الذي يمنع، حتى الآن، تحقّق النتيجة الطبيعية والكاملة لهذه “الصحوة”، وهي الاعتراف بأن “أردوغان” لم يكن له أن يمرر كل هؤلاء الدواعش، تحت أنظار المخابرات الغربية والأقمار الصناعية الأمريكية التي تتباهى بقدرتها على رؤية لوحة سيارة في مدينة ما، لولا التواطؤ الغربي الكامل معه، وبأن دول الخليج التي اشترت خلال الأشهر الـ 11 الماضية أسلحة بقيمة 33 مليار دولار، بحسب صحيفة “ديفينس نيوز” الأمريكية، لا تفعل شيئاً بما اشترته سوى تدمير “شقيقاتها” العربيات، إما عبر العدوان المباشر عليها، كما في حالة اليمن، أو عبر تزويد الدواعش وأشقائهم بهذه الأسلحة، ودائماً عن طريق الاوتسترادات الأردوغانية  المحمية من الاستخبارات الغربية بالمطلق.

إذاً هي “صحوة” منقوصة حتى الآن، ولا يبدو أن دورها يتجاوز توفير بعض الغطاء الأخلاقي للغرب ذاته، وبالتالي فهي مجرد عملية تكبيت ضمير كما يقال، أما إذا أريد لها أن تتجاوز ذلك إلى ساحة الفعل والنتائج الحقيقية، فهذا أمر لا يمكن له أن يتمّ سوى بالإقرار الفوري بضرورة وحتمية اتجاه الجهود العالمية للتعامل مع الجهة الوحيدة التي يعول عليها في مكافحة الإرهاب، وهي كما أثبتت الوقائع المتعددة، سورية، بجيشها وشعبها وقيادتها، وحتى تأتي تلك اللحظة، فإن الجيش السوري يمضي في طريقه المرسوم، فـ “الحل لا يمكن أن يأتي من الخارج”، كما قال الرئيس الأسد، وأول أمس كانت “تدمر”، وأمس “القريتين”، وغداً مدينة أخرى، فيما العالم المتردد سيبقى يراوح في مكانه مكتفياً بتقاذف كرة الاتهامات حول المسؤولية عن رعاية الإرهاب، ومتغاضياً عن قيام “معارضته المعتدلة”، تحت قيادة “جبهة النصرة” المدموغة رسمياً بالإرهاب، باختراق الهدنة بصورة سافرة في أرياف حلب واللاذقية وإدلب كي تعود دورة العنف مرة جديدة، لأن أي حل سياسي فيه احتكام حقيقي لإرادة الشعب لا يناسب هذه “المعارضة” ومن يقف خلفها من جهة، وللتخفيف، من جهة أخرى، عن حليفهم الداعشي الذي يتقهقر في قلب الجغرافيا السورية.

قصارى القول: “رجل البوسفور المتوحّش” ليس وحده، فـ “الغابة العالمية” مليئة بالمتوحشين، لكنّ القرار السوري واضح .. “الشعب والجيش لديهما الإرادة لتنظيف سورية بشكل كامل من الإرهابيين، وهذا الكلام غير قابل للنقاش”، والميدان مازال لديه الكثير ليقوله بهذا الشأن.

مشاركة الخبر