فرص ضائعة وشاطئ مهجور-البعث

حظيت المنطقة الساحلية بعناية حكومية “فائقة” خلال اليومين الماضيين، وصلت إسقاطاتها المالية النقدية إلى 37 مليار ليرة سورية كمشاريع خدمية، لكن دون الخروج عن إطار محاولات– نعترف بأنها تستحق الثناء- لجسر فجوة قائمة ومزمنة في الخدمات، وقد يكون هذا حال معظم المناطق قبل الحرب على سورية، أما لما بعد الحرب فثمة حديث آخر بتفاصيل أكثر تعقيداً.

وبما أننا اليوم على عتبات استشراف مستقبل بلدنا كبعد ثالث هو أقرب إلى الحالة الافتراضية بكل ما تتطلبه من عصفٍ ذهني، قد يكون من المهم ألا تأخذنا جذوة الإنجازات الترميمية –على أهميتها– وتبعدنا عن رسم ملامح القادمات من الأيام بكل ما فيها من استثمار مجزٍ للإمكانات، وتقليص الهامش الفضفاض والمرهق الذي يمكن أن نتلمس فيه قدراً عالياً من ضياعات فرص وفوات أرباح وعائدات مفترضة بأبعاد اقتصادية واجتماعية، لا سيما في منطقة الساحل ذات الخصوصية في الفرص، والمتأتية من بوابة الواجهة البحرية الممتدة لحوالي 180 كيلو متر.

والواقع أن في تلك المنطقة ما يدعونا للإقلاع عن عادة نشر التنمية -التي اجتهدنا لتكون متوازنة– بمعايير وأدوات تقليدية متصلّبة تنأى عن لحظ الميّزات النسبيّة والمطلقة لكل منطقة، ولعل في محافظتي الساحل من القرائن ما يكفي للاقتناع بأن أمام البحر “بحر آخر” من الفرص الخام التي مازالت حتى الآن مهدورة ومُشتتة.

وبات من الحكمة اليوم أن نسأل عن أي عرف اقتصادي يسمح ببقاء كامل الشريط الساحلي –تقريباً– عبارة عن أراضٍ زراعية، وفي أفضل الحالات مسرحاً لارتجالات الاستثمار العقاري-السياحي “الأعرج” وغير المنظم، والباقي شواطئ مهجورة ومنسية، فهل من “المسموح” اقتصادياً بقاء البوابة البحرية لسورية كشواطئ خاوية خصوصاً في المسافات الفاصلة بين مراكز التجمعات السكانية؟.

لعلنا وصلنا إلى حال يحتم علينا الاستعداد لنفض الغبار عن مطارح الاستثمار الدسمة، والبدء ببلورة خارطة متكاملة لها، ونعتقد أن في ساحلنا أولويات بنفحة سورية شاملة يفترض أن تقود بوصلة الاهتمام الحكومي للتفكير بكيفية تحويل المنطقة إلى مصدر انتعاش حقيقي للاقتصاد السوري عموماً..

وربما لن نكون من الغارقين في حلم أجوف لو أعدنا طرح فكرة إقامة مناطق أو منطقة حرة بحرية على كامل الشريط الساحلي على غرار “جبل علي” في دبي، وأعددناها كمطارح للصناعات النظيفة أو التخزين التجاري، وغير ذلك من الاستثمارات التي تحوّلها إلى مركز إقليمي جاذب للتدفقات الرأسمالية بقصد التصنيع وإعادة التصدير.

أما النسق الثاني خلف الخط البحري فليكن للاستثمار في التصنيع الزراعي–الحيواني، ونحظى في هذا الجانب بميزات مطلقة تستحق العناية لأنها تنطوي على عائدات “من ذهب”، خصوصاً وأن منافذ التصدير تكون قريبة وجاهزة.

ويبقى الاستثمار الزراعي من نصيب النسق الثالث وما يليه من امتدادات لمناطق الاستقرار المطري الأولى.

مع الإشارة إلى أننا لم نغفل المجمعات السياحية المتكاملة وأماكن السياحة الشعبية على الشاطئ، لكن ليس بشكلها المبعثر والارتجالي.

هي رؤية قد تستحق الدراسة والتفكير، ففي السواحل عادة تختبئ “الكنوز” الاستثمارية، إما أن نجدها، أو تبقى مدفونة في الرمال السائبة، لكننا نعتقد أن سورية تستحق الأفضل.
 

مشاركة الخبر