جنيف.. أم الحرب الكبرى!!-صحيفة البعث

في الشكل، يبدو أن العودة لاستكمال سلسلة “الجنيفات” الطويلة أصبحت قريبة ومتاحة في آن واحد، وفي الوقائع، يبدو أن الأطراف المتضررة من ذلك تُحاول، عبر الشريك والحليف “الإسرائيلي” هذه المرة، وضع العراقيل أمام هذه العودة، وربما منعها بالمطلق.

وإذا كان “ائتلاف الدوحة” قد اعتبر نصّ القرار “2254”، الممهد لعودة جنيف، “بمثابة تقويض لمخرجات اجتماعات الرياض وتمييع للقرارات الأممية السابقة المتعلقة بالحل السياسي”، فإن القوى الراعية للائتلاف والحرب على سورية، تعرف أن الظروف الميدانية والسياسية التي سبقت وأحاطت بهذا القرار قوّضت فعلياً أحلاماً كبرى كان عنوانها الرئيس: الإركاع والاستتباع، فيما تنقّلت عناوينها التفصيلية بين “حلم الفصل السابع” و”سكرة” التوماهوك، وأوهام “عواصف الحزم” وآمال “السلطنة”، والأهم، أن هذه القوى تعرف أن الفيصل، في الحقيقة، ليس ما سيحدث في جنيف القادم، كما لم يكن الفيصل ما حدث في جنيف السابق، بل هو ما يحدث خارج جنيف كلها، وخارج قاعاتها التي ما زال البعض يحلم بدخولها لتجميد عقارب الساعة وحركة التاريخ عند تلك اللحظة الحزيرانية التي أنتجت “جنيف1″ بكل ظروفها وملابساتها، والتي أصبح واضحاً لكل ذي عينين أنها، قياساً بما بعدها، اللحظة الأفضل أو لحظة الذروة لفريق الحرب على سورية، ومن بعدها سالت مياه كثيرة في نهر الأزمة جرفت في طريقها سياسات واستراتيجيات، وتكاد، على وقع، وواقع، انفلات و”التفات” “فرانكشتاين” الإرهاب على صنّاعه ومموليه ورعاته الأيديولوجيين، تجرف عروشاً وعمائم وعواهل وعاهات وممالك هي في الأساس “أوهن من بيت العنكبوت”.

وبهذا الإطار تحديداً كان الاستنجاد بالحليف والشريك “الإسرائيلي” الذي جاء دخوله عبر جريمة “جرمانا” الإرهابية، مكاناً جغرافياً وهدفاً معتبراً بشخصه ورمزيته، كي يحاول إعادة خلط الأوراق وحرف قطار المنطقة من مسارات مبدئية وخجولة للتسوية الكبرى وآمالها، إلى أنفاق الحرب الكبرى وأهوالها، ليس في سورية فقط بل في اليمن والعراق أيضاً، باعتبارها الأمكنة التي تجري فيها هزيمة حلفاء “إسرائيل”: العرب والإقليميين، وهنا يجدر التدقيق في تزامن الدخول “الإسرائيلي” مع مؤشرات عدة، منها بدء التضييق، وإن كان ما زال رمزياً و”جنينياً” وأحادياً، على الإرهاب تمويلاً وأيديولوجيا، ومنها التصعيد الجنوني الأردوغاني ضد الداخل التركي بعد تبلور هزيمته السورية والعراقية وعودته العلنية إلى الحضن الإسرائيلي، ومنها تزامن ترسّخ حقيقة تبدد “عاصفة الوهم” السعودية فوق سماء اليمن، مع تبدد وهم المملكة، بمنطوق ومناخات القرار “2254”، في الإطباق على مستقبل سورية الجيوسياسي بسياقه وأشخاصه أيضاً حين ركنت إلى ما ظنته حقها الحصري في تشكيل “وفدها” لجنيف القادم.

وبكلمة أخرى، هي محاولة اللاعبين الثانويين، أو الصغار، الذين يتزاوج فيهم الفشل بالعقل، أو اللاعقل، الإقصائي، والذين حظوا، وما زالوا، بغطاء النفاق الأمريكي الغربي، لوأد جنين التسوية الذي يقدّمه القرار “2254” رغم هناته وثغراته العديدة، وفي ذلك كلام آخر، وتوريط الجميع في حرب كبرى على كل الساحات انطلاقاً من سورية، علّهم يوقفون نزيف خسائرهم المتتالية، وهي لعبة مجنونة كانت دمشق قد نبّهت منذ البداية إلى أنها عبث بالفالق الاستراتيجي الذي تمثله بموضعها ودورها ووزنها، كما أكد، ولو بصيغة أخرى، رجل بوزن “هنري كيسنجر” الاستراتيجي.

ولأن المستقبل، كما هو معروف، ترسمه حقائق الواقع، وتراكم متغيرات وتبدّلات كبرى وحاسمة في الوقت ذاته، فإن استمرار هؤلاء في وضع العصي في عجلات التسوية، لن يستطيع أن يغطي على حقيقة أن السنوات الخمس الماضية رسّخت حقائق عدة أهمها: إن أدواراً قد انتهت، ورؤوساً قد أينعت، وعروشاً قد بُليت، ولن يفيدها الحل السلمي الكبير ولا الحرب المدمّرة الكبرى.

وإذا كان عام 2016 هو سنة البطة العرجاء في السياسة الأمريكية، وسنة الرهانات القصوى للذئاب الإقليمية، فإنها، وفق المقدمات والشواهد وسوابق الصمود، سنة سورية بامتياز، سواء مالت الكفة للحرب أم للتسوية.

 

أحمد حسن

مشاركة الخبر